محمد حسين هيكل
44
حياة محمد ( ص )
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) « 1 » ولم يرد في كتاب اللّه ذكر لمعجزة أراد اللّه بها أن يؤمن الناس كافة ، على اختلاف عصورهم ، برسالة محمد إلا القرآن الكريم . هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن اللّه على أيدي من سبق محمدا من الرسل ، كما أنه جرى بالكثير مما أفاء اللّه على محمد وما وجّه إليه الخطاب فيه . وما ورد في الكتاب عن النّبي العربيّ لا يخالف سنّة الكون في شيء . المعجزة الكبرى أمّا وذلك ما يجري به كتاب اللّه وما يقتضيه حديث رسول اللّه ، فأيّ داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي ؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات من سبق محمدا من الرسل ، فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادّية لازم لكمال الرسالة فصدّقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن ، وظنوا أنها كلما ازداد عددها كانت أدلّ على هذا الكمال وأدعى إلى أن يزداد الناس بالرسالة إيمانا . ومقارنة النبي العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق . فهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهو مع ذلك أوّل رسول بعثه اللّه للناس كافة ولم يبعثه إلى قومه وحدهم ليبين لهم . لذلك أراد اللّه أن تكون معجزة محمد معجزة إنسانية عقلية ، لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . هذه المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي أذن اللّه بها . وقد أراد جلّ منها أن تثبت رسالة نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ ، وأراد لدينه أن ينتصر بفضل منه في حياة رسوله ، ليرى الناس في انتصاره قوّة سلطانه ولو أراد اللّه أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى اقتناع من نزل الإسلام على رسوله بينهم ، لكانت ولذكرها في كتابه . لكن من الناس من لا يصدّقون إلا ما يقرّه العقل ، لذلك كانت الوسيلة إلى إقناع الناس كافّة برسالة محمد أوثق ما تكون اتصالا بقلوبهم وعقولهم ، فجعل اللّه القرآن ، حجته البالغة ، معجزة النبي الأميّ إليهم ، وجعل انتصار دينه وقوة الإيمان به آتيين من طريق الدليل اليقينيّ والاقتناع الصادق . والدين الذي يقوم على هذا الأساس أدعى إلى أن يؤمن الناس جميعا به ، على كر العصور واختلاف الأمم وتباين اللغات . ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن ، لما طعن ذلك في إيمانها ولا نقص من إسلامها . فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن باللّه ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محلّ تمحيص ؛ فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به ، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه ، ولا تثريب عليه . فالإيمان باللّه وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة ؛ ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه اللّه . والشهادة برسالة محمد ، الذي دعا الناس بأمر ربه إلى هذا الإيمان وجنّبهم ما يزيغ قلوبهم عنه ، لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن ، ولا تحتاج إلى أكثر من تلاوة الكتاب الذي أوحاه اللّه إليه . ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين من غير حاجة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن ، لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين : رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثّر فؤاده ، بل هداه اللّه إلى الإيمان أول ما دعي إليه ، كما هدى أبا بكر ، فامن وصدّق من غير تردّد ، وآخر لم يلتمس إيمانه فيما وراء سنّة الكون من خوارق ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام الآيات من 109 إلى 111 .